الشيخ محمد السند
33
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » وإن كان يناسب كون العلم الذي فرحوا به وكذّبوا الرسل هو علم تدبير المعاش ، إلّا أنه بقرينة إرادة جميع الأمم التي من قبل ، لا ينحصر العلم في علم المعاش وإن أطلق عليه أيضاً كما في قوله تعالى : « يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » « 4 » فإنّ اليهود مثلًا كذّبوا بعيسى فرحين بما عندهم من العلم بالشرايع السابقة ، كما أنّ الصابئة لم تؤمن بجملة من الرسل من بني إسرائيل فرحاً بما عندهم من علم الدين السابق ، كما أنّ تكذيب قريش واليهود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً هو فرحاً بما عندهم من علم بالملّة الإبراهيمية . والحاصل : أنّ في الآية تعميم لكلّ الأقوام التي سبقت من لدن آدم حتى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم . ومن ثمّ صحّ ما حكاه الطبرسي والرازي من بعض الوجوه المرادة من العلم الذي فرحوا به أنه يريد علم الفلاسفة والدهريين من بني يونان وكانوا إذا سمعوا بوحي اللَّه صغّروا علم الأنبياء إلى علمهم . وعن سقراط أنه سمع بموسى عليه السلام وقيل له أو هاجرت إليه ؟ فقال : نحن قوم مهذّبون فلا حاجة إلى من يهذّبنا « 1 » ، انتهى . وعن الجزائري : إنّ عيسى لما دعا أفلاطون إلى التصديق بما جاء به أجاب بأنّ عيسى رسول إلى ضعفة العقول وأما أنا وأمثالي فلسنا نحتاج في المعرفة إلى إرسال الأنبياء « 2 » . والحاصل : أنّ تكذيب الرسل من قِبَل الأمم كما في اليهود لعيسى عليه السلام والصابئة لأنبياء بني إسرائيل وأهل الكتاب لسيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن لإنكارهم
--> ( 4 ) . الروم : 7 . ( 1 ) . جوامع الجامع : 3 / 254 ، وبحار الأنوار : 60 / ( 2 ) . الحدائق الناضرة 1 / 126 - 128 عن الأنوار النعمانية ، ومصباح الفقيه : 7 / 275 .